Thursday, September 27, 2012

مناظرة : هندوسي, بوذي, يهودي, مسيحي, مسلم, ملحد


مناظرة (هندوسي , بوذي , يهودي , مسيحي , مسلم , ملحد)
قلم : أسامة إسحاق (أورانوس)

الحقيقة !؟

أتمنى أيها القارئ العزيز أن تحرك في عقلك ووجدانك التجربة القادمة التساؤل والبحث والنقد وإلا سأعتبر قلمي قد فشل في تأدية رسالته والتي هي أكثر من مجرد تسويد مجموعة من الورق ,  كلي أمل أن تصل كلماتي الى مرساها..
 
المكان : (حديقة برج التوأم بكوالالمبور – ماليزيا) , الزمان : (11 سبتمبر 2012) , الحدث : (مناظرة ونقاش فكري) , المشاركون : طلاب دراسات عليا أصدقاء ( طالب هندوسي , طالب بوذي , طالب يهودي , طالب مسيحي , طالب مسلم , طالب ملحد ) , موضوع المناظرة : (ما هي الحقيقة  ومن منا على صواب ومن منا على خطأ ؟)..
 
تجدر الإشارة بداية أن هناك أحداث ومواقف كثيرة روتينية تمر على الإنسان في حياته لا تستحق الإشارة اليها او حتى تذكرها , وفي الطرف الأخر قد تحصل له أحداث بعدد أصابع اليد الواحدة والتي قد تقلب حياته رأس على عقب وتغير من مجرى حياته , وهو ما حصل معي بالضبط  في هذا الحدث حيث أستطيع وصفه بالفريد والمهيب والنادر لإجتماع أكثر من سبب وأهمها قوة وأهمية الموضوع  المطروح للحوار الى جانب نوعية أطراف الحوار والمنسق له..
 
لعل إجتماع ونقاش ستة طلاب أصدقاء في جلسة غير معلنة وغير رسمية على طاولة واحدة يحملون توجهات مختلفة وقد تصل لحد التناقض لفهم ورؤية وتحليل العالم من حولنا لهو حدث يستحق تدوينه ومشاركته خاصة اذا كان الموضوع المطروح على طاولة النقاش يهم الجميع (ما هي الحقيقة ومن منا يحمل الصواب في رؤيته ؟) وهو ما يُمنع  نقاشه بين الطلاب عادة لكي لا يثير النعرات والمشاكل كما يقال لنا دائما عند فتح مثل هكذا حوارات ولكن البروفسور المنسق والمرتب للحوار وربما لأغراض بحثية وأكاديمية هو من تجرأ على خلق الأجواء والظروف المناسبة لهذه المناظرة..

 ولذلك لا أنسى تقديم الشكر للبروفسور "ماهبيا" للتنسيق والترتيب للحوار حيث أنه أحد الشخصيات المرموقة والمحايدة والمعروفة برجاحة عقلها ومكانتها الإجتماعية والعلمية والذي كان مقبولاً من جميع الأطراف , وقد تم الإتفاق بداية وبشكل غير رسمي طبعاً أن كل واحد من الستة الطلاب الأصدقاء يمثل الفئة التي ينتمي إليها ( هندوسية , بوذية , يهودية , مسيحية , إسلام , إلحاد )  وبغض النظر عن آلية الإختيار او طريقة التمثيل فقد تم الإتفاق أخيراً بأن البروفسور ماهبيا سيعلن المنتصر في نهاية الحوار , والتقييم سيتم من خلال الطرح الموضوعي والمنطقي بشقيه الإستنباطي والإستقرائي..
 
تجدر الإشارة أيضاً الى أن الستة المشاركين في الحوار أصدقاء وهو ما سهل النقاش والحوار والترتيب له دون الإيمان بنظرية المؤامرة , ولعل ذلك الإختيار كان حركة ذكية من البروفسور ماهبيا لكي لا يخرج الحوار عن نطاق السيطرة او يولد نوع من الحقد والكره او حتى يصل الى حد العنف اللفظي او الجسدي..
 
 تم التمثيل الغير رسمي طبعاً في المناظرة كالتالي (الهندوس وعددهم في العالم تقريباً (مليار) مثلهم صديقي راجستان , البوذيين وعددهم في العالم تقريباً (376 مليون) مثلهم صديقي كيترا , اليهود وعددهم في العالم تقريباً (14 مليون) مثلهم صديقي بنيامين , المسيحيين وعددهم في العالم تقريباً (2.1 مليار) مثلهم صديقي جورج ,المسلمين وعددهم في العالم تقريباً (1.2 مليار) مثلهم كاتب المقال "أسامة" , والملاحدة وعددهم في العالم تقريباً (1.1 مليار) مثلهم صديقي ثورمان , وأنطلقت بعدها أمثل المسلمين بكل نشاط وقوة , وقد كنا ندرك جميعا بأننا لسنا فلاسفة او مفكرين كبار كما أننا لسنا جهلة صغار ولذلك كنا على دراية بأننا نمثل تلك الأكثرية الوسطية للمثقفين والرأي العام في مختلف المجتعات..
 
ويجدر التنويه بأنني لن أستطيع تدوين كل ما دار بيننا في الحوار لكي لا يمل القارئ سريعاً وقد يكون ذلك مشروعاً مستقبلياً ولكني سأحاول قدر المستطاع تلخيص الحوار هنا تلخيصاً مركزاً غير مخل بجوهر الحجج المقدمة من جميع الأطراف وغير متحيز لوجهة نظر بعينها..
 
بدأ الحوار بمقدمة سريعة عن إيمان ومرجعية كل شخص لرؤية وفهم العالم , فإستهل الكلام الهندوسي راجستان بقوله "نحن نؤمن بالعظيم الأعظم (براهما) وكلامه في الكتاب المقدس (فيدا) " , فأكمل البوذي كيترا بعد أن أغمض عينيه  قائلاً  "نحن نؤمن بالعظيم الأعظم (بوذا) وكلامة في الكتاب المقدس (دارما)" , ثم وقف اليهودي بنيامين وقال "نحن نؤمن بالعظيم الأعظم (يهوا) وكلامه في الكتاب المقدس (التوارة)" , ثم وضع المسيحي جورج يده على قلبه وقال "نحن نؤمن بالعظيم الأعظم (يسوع) وكلامه في الكتاب المقدس (الإنجيل)" , ثم نظرت الى السماء وقلت "نحن نؤمن بالعظيم الأعظم (الله) وكلامه في الكتاب المقدس (القرآن)" , ثم قال الملحد ثورمان بعد أن وضع القلم جانباً "نحن نؤمن بالعظيم الأعظم (الطبيعة) وكلامها من خلال (الموجودات)"..
 
قص شريط المناظرة والحوار النقدي الهجومي الملحد ثورمان مباشرة دون أية مقدمات منمقة  بتوجيه لكمة قوية على شكل سؤال مباشر الى الهندوسي راجستان , فقال له : قد أدخل في حوار ونقاش وجدال حول ماهية الخالق الكوني ومصداقية وبراهين وجوده الذي  لدى المتدينين الأخرين ولكن أن تؤمنوا بأن آلهكم بقرة فتلك وصمة عار للتطور والحضارة الإنسانية وعصر ثورة تكنولوجيا المعلومات وغزو الفضاء والخارطة الجينية !!
 
هز البقية رؤوسهم موافقين على ما قاله الملحد ثورمان  مخاطبين الهندوسي راجستان :  كيف يعقل أن تعبدوا بقرة !؟
 
رد الهندوسي راجستان مدافعاً عن معتـقـده : نحن لا نعبد اللحم والشحم كما يظن بذلك غير الهندوسيين ,  ولكن نؤمن بالروح التي بداخلها وما البقرة وغيرها من الكينونات التي يعبدها كل هندوسي الا وسيط لتلك الروح والتي تحمل معاني نبيلة , فنحن نؤمن بتعدد الظواهرالدينية داخل ديانتنا فكل هندوسي له الحق بإتخاذ أي رمز متجسد في صورة الأله لكي يكون قريب منه ليتذكره  دائماً سواء في المنزل او في العمل او في المعبد , فسمة التسامح الشامل للأختلافات في المعتقد الهندوسي وإنفتاحنا العقائدي المرتكز على أساسيات التقليد الهندوسي لن تجدوه في أي ديانة أخرى , فالهندوسية ليست مجرد الإيمان ولكنها إتحاد للعقل والحدس كما أن الهندوسية أقدم وأعرق ديانات الأرض قاطبة .. وأتمنى أن تفهموا الهندوسية  على حقيقتها لكي تدركوا المبادئ الرائعة التي تربينا عليها ودلنا عليها العظيم (براهما) وينادي بها منهجنا (الفيدا) مقارنة بغيره والصالحة لكل زمان ومكان , ونحن على ثقة بأنكم ستفهمون معنى الهندوسية الراقي بعيداً عن تشويهات أعداء الهندوس من البوذيين واليهود والمسيحيين والمسلمين والملاحدة..
 
سكت الجميع قليلاً للتفكير في ذلك ثم وجه الهندوسي راجستان سؤال مباشر الى المسيحي جورج , فقال له : على أقل تقدير نحن نعبد عدة آلهات ولكن كل آلهة لها كينونة واحدة قد تكون متمثلة في بقرة أو بحيرة او شجرة  ولكن لن تجد هندوسي واحد يعبد ثلاث آلهات في نفس الكينونة كما تفعلون أنتم أيها المسيحيون فلديكم ثالوثكم الغريب والذي يدعوا للسخرية  "الأب والابن والروح القدس" وهو ما لا يوجد في أي ديانة أخرى كما أنكم بمنتهى الغرابة تؤمنون بصلب وموت آلهكم !!
 
هز البقية رؤوسهم موافقين على ما قاله الهندوسي راجستان مخاطبين المسيحي جورج : كيف يعقل أن تعبدوا ثلاث آلهات في نفس الوقت وفي نفس الكينونة وكيف يمكن أن تعبدوا آله يأكل ويشرب ويمشي مثلنا وبعد ذلك تؤمنوا بصلب وموت تلك الكينونة او ذلك الأله !؟
 
رد المسيحي جورج مدافعاً عن معتـقـده : نحن لا نعبد ثلاث آلهات كما يظن بذلك غير المسيحيين , ولكن نعبد الرب يسوع الواحد المتمثل لنا في عقيدة الثالوث , والثلاث كينونات تمثل لنا  آله واحد , فعقيدة الثالوث لا تعني كما تفهمون ثلاث آلهات مستقلة فهي ليست عملية جمع 1+1+1 ولكنها عملية ضرب 1*1*1  الاب والإبن والروح القدس , ونؤمن بالتجسد الألهي للمسيح فهو كلمة الله , وأما صلب المسيح فقد كان فدية عن المؤمنين لكي يرفع عنهم خطية العالم أجمع ، فهكذا أحب الله العالم حتى بذل إبنه الوحيد فداء لذلك , واليوم مصداقاً لتلك التضحية أصبحت المسيحية  أكثر الديانات إتباعاً في العالم , فالإخلاص والإيمان قد دخل القلوب وسيدخل البقية عما قريب بإذن يسوع الرب .. وأتمنى أن تفهموا المسيحية على حقيقتها لكي تدركوا المبادئ الرائعة التي تربينا عليها ودلنا عليها العظيم (يسوع) وينادي بها منهجنا (الإنجيل) مقارنة بغيره والصالحة لكل زمان ومكان , ونحن على ثقة بأنكم ستفهمون معنى المسيحية الراقي بعيداً عن تشويهات أعداء المسيحيين من الهندوسيين والبوذيين واليهود والمسلمين والملاحدة..
 
وهنا توقف المسيحي جورج برهة من الزمن والتفت الى البوذي كيترا  ووجه سؤال فيه نوع من السخرية , فقال له :لا أعتقد أن هناك إنسان عاقل في هذا الكون كله يرضى أن يعبد ما يصنعه بيده , فأنتم تعبدون صنم  بوذا الحجري او الحديدي والذي لا يضر ولا ينفع , فكيف تؤمنون أن الصخر المنحوت والحديد المصنوع من قبل الإنسان نفسه  قد يضر وينفع !؟
 
هز البقية رؤوسهم موافقين على ما قاله المسيحي جورج  مخاطبين البوذي كيترا :  كيف يعقل أن تعبدوا وتسجدوا لصنم مصنوع من الإنسان ذاته !؟
 
رد البوذي كيترا  مدافعاً عن معتـقـده : نحن لا نعبد ونؤمن بالصنم الذي ترونه  كما يظن بذلك غير البوذيين , ولكن نؤمن بالتعاليم والمبادئ الرائعة التي نادى بها صاحب ذلك التمثال وهو المعلم الأكبر بوذا المستنير , كما أن البوذية أصلاً ديانة غير ألوهية كما هي عندكم ولا تهتم بالماورائيات ولكن إهتمامها ينصب على الإنسان وسعادته , فالبوذية تتمحور في ثلاثة جواهر أساسية أولها الإيمان ببوذا كمعلم مستنير للعقيدة البوذية , وثانيها الإيمان بالدارما وهي تعاليم الحقيقة والخلاص من المعاناة , وثالثها السانغا وهي المجتمع البوذي المحافظ على تلك التعاليم الخالدة , ويكفي أن تدركوا الحقائق الأربع الرئيسية التي تلخص  الدارما لكي تفهموا ماهية العقيدة البوذية (الحقائق الأربع هي : المعاناة , أصل المعاناة , إيقاف المعاناة والطريق المؤدي الى إيقاف المعاناة ) وبذلك نرتقي ونسمو بحياة الإنسان بعيداً عن الفلسفات الأخرى الغثائية التي لا معنى لها سوى الجدال , وأنوه الى أنه في أوروبا كل عام يدخل البوذية أكثر من مائة ألف إنسان وذلك مصداقية للمبادئ والقيم التي تحتويها الدارما البوذية الخالدة .. وأتمنى أن تفهموا البوذية على حقيقتها لكي تدركوا المبادئ الرائعة التي تربينا عليها ودلنا عليها العظيم (بوذا) وينادي بها منهجنا (الدارما) مقارنة بغيره والصالحة لكل زمان ومكان , ونحن على ثقة بأنكم ستفهمون معنى البوذية الراقي بعيداً عن تشويهات أعداء البوذيين من الهندوسيين واليهود والمسيحيين والمسلمين والملاحدة..
 
وبدون توقف وجه البوذي كيترا سؤال مباشر على نفس سياق السؤال الأول لليهودي بنيامين , فقال : تستطيعوا أن توجهوا سؤالكم ذلك الى اليهودي بنيامين  والذي يركع ويهز رأسه ويبكي أمام حائط صخري بدون أن يكون حتى تمثال يمثل لهم شخصاً عظيماً يحمل مبادئ عظيمة , فذلك منظر يدعوا للإستغراب والسخرية في آن واحد كما أنه يؤمن بالعرق والشعب المختار وهي نظرة دينية طبقية عنصرية !! 
 
هز البقية رؤوسهم موافقين على ما قاله البوذي كيترا  مخاطبين اليهودي بنيامين :  كيف يعقل أن تعبدوا وتؤمنوا بالحائط الصخري وتبكون عنده !؟ ,  كما أن دينكم عرقي عنصري يقول بأنكم الشعب الوحيد المختار ولا تسمحوا لأحد بالدخول لديانتكم مالم يكن يهوديا عرقاً !!
 
رد اليهودي بنيامين  مدافعاً عن معتـقـده : نحن لا نعبد ونؤمن بحائط المبكى الصخري كما يظن بذلك غير اليهود, ولكن نقدس ذلك الحائط نظراً لأنه الأثر الباقي من هيكل النبي العظيم سليمان فنقف تحته نصلي ونتلوا تعاليم التلمود و التوارة الألهية الرائعة , أما  الشعب اليهودي المختار فهو تكليف وليست تشريف , فنحن الشعب الذي يجب عليه أن يخدم ربه بالصلاة ويعمل بإستمرارعلى مراعاة الوصايا التوراتية وقد اُسندت إلينا مهمة الشعب الحامل لرسالة الرب يهوا الواحد الأحد لتخفيف العبء عنكم ولذلك تلاحظوا معاناة اليهود على مر التاريخ ومنها الهولوكوست والتي تؤكد إبتلاء وإختبار اليهود مقارنة بغيرهم وهناك أمثلة كثيرة على ذلك , واليهودية تؤمن بالإفتداء والخلاص والنجاة لكنها تختلف عن العديد من الديانات الأخرى في أن السبيل إلى الخلاص والنجاة في الحياة الأخرى لا يكون بالعقيدة فقط وإنما بالأفعال, أي أن الأفعال الصالحة هي التي تمكن البشر من النجاة وليس العقيدة فقط التي يتبعونها, كما أن الإيمان بمبادئنا الخالدة مفتوح للعالم أجمع دون الحاجة لكي تكون يهودياً .. وأتمنى أن تفهموا اليهودية على حقيقتها لكي تدركوا المبادئ الرائعة التي تربينا عليها ودلنا عليها العظيم (يهوا) وينادي بها منهجنا (التوارة) مقارنة بغيره والصالحة لكل زمان ومكان , ونحن على ثقة بأنكم ستفهمون معنى اليهودية الراقي بعيداً عن تشويهات أعداء اليهود من الهندوسيين والبوذيين والمسيحيين والمسلمين والملاحدة..

وبعد ذلك وجه لي اليهودي بنيامين إستفساراً يحمل في طياته بعض من السخرية قائلاً : ماذا عنكم يا من تعبدون الأحجار , فعبادة المسلمين فيها ما يدعوا حقيقة للسخرية ,  يطوفون حول حجر (الكعبة) ويقذفون حجر (رمي الجمرات) ويُـقبلون حجر (الحجر الأسود) ويسجدون على حجر (السجود في الصلاة) , فهل هناك أشد غرابة من كون  ملايين من شفاة المسلمين تلتقي لتُـقبل حجر أسود صخري لا تتجاوز مساحته ثلاثين في ثلاثين سنتيمتر , فما هذه العبادة التي تنقل لمعتنقيها الأمراض وما هي مصداقية هذا الدين الذي يقرر قتل من يتركه !؟
 
هز البقية رؤوسهم موافقين على ما قاله اليهودي بنيامين مخاطبيني :  كيف يمكن أن تعبدوا الأحجار وتقبلونها وترجموها وتطوفون حولها وتسجدون لها  ولماذا أرتباطكم بالأحجار التي لا تضر ولا تنفع  ولماذا تتعاملون مع كل من خرج عن دينكم بالقتل كعصابات المافيا التي تخاف أن يفضح أسرارهم !؟
 
ردت مدافعاً عن معتـقـدي : نحن لا نعبد الكعبة الحجرية او الحجر الأسود  كما يظن بذلك غير المسلمين , ولكن نعبد رب تلك الأحجار الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد , وما الكعبة الا مكان مقدس لنا وكذلك حال الحجر الأسود فنحن لا نقبله إيماناً منا بأنه يضر وينفع بل الرب الله وحده من بيده الضر والنفع ولكن نقبله تكريماً لرسولنا محمد الذي قبله وليس تكريماً للحجر , فالإسلام دين الحرية والمساواة والعدالة ومنهجنا في قرآننا الكريم يحمل في طياته أسمى وأرقى المبادئ الإنسانية التي عرفها التاريخ والتي تدعوا للمحبة والسلام ومكارم الأخلاق والتعايش وتقبل الآخر ونبذ الظلم واللامساواة والعنصرية والطائفية , ورسولنا العظيم محمد هو من دعى بتلك المنهجية النبيلة الخالدة التي لم تفرق بين العبد والسيد , والعربي والأعجمي , والغني والفقير, والأبيض والأسود .. وأتمنى أن تفهموا الإسلام على حقيقته لكي تدركوا المبادئ الرائعة التي تربينا عليها ودلنا عليها العظيم (الله) وينادي بها منهجنا (القرآن) مقارنة بغيره والصالحة لكل زمان ومكان , ونحن على ثقة بأنكم ستفهمون معنى الإسلام الراقي بعيداً عن تشويهات أعداء المسلمين من الهندوسيين والبوذيين اليهود والمسيحيين والملاحدة..
 
وهنا توقفت قليلاً ثم رمقت الملحد ثورمان رمقة قوية لأنني شعرت أنه لم يكن ينصت بجدية لما كنت أقوله , وقلت له : على أقل التقدير جميعنا يؤمن بشي ما وإن إختلفت الرؤية , ولكن كيف يمكن أن تعيشوا بدون أن تؤمنوا اوتدركوا أن هناك خالق لهذا الكون الفسيح , وكيف تستطيعوا العيش بدون أن يكون لكم مصدر إيماني وروحاني وأخلاقي , وكيف تستطيعوا أن تقنعوا أنفسكم بأن هذا الكون الفسيح وهذه الطبيعة المعقدة قد وجدت صدفة بدون خالق وكلنا يدرك أن لكل مخلوق خالق !؟
 
هز البقية رؤوسهم موافقين على ما قلته  مخاطبين الملحد ثورمان :  كيف يعقل أن لا  تعبدوا  وأن لا تؤمنوا بأي عظيم   وأن لا يكون لكم مصدر ومرجعية عليا  للروحانيات والأخلاقيات وكيف يمكن للصدفة أن تنتج هذا الكون الفسيح الشاسع الدقيق وهذه الطبيعة المعقدة !؟
 
رد الملحد ثورمان  مدافعاً عن معتـقـده :  نحن لا نعبد أي آله بالفعل ولكننا نؤمن بأشياء كثيرة وليس  كما يظن غير الملاحدة , ولكن إيماننا ليس بالأله البقرة او الأله بوذا الذي قضى حياته متأملاً دون أن يعطي لجسده أي إعتبار ولرغباته إي إهتمام او الأله يهوا العنصري السادي المتوحش او الأله المسيح الذي لم يجد طريقة أفضل لتخليص البشرية من تعذيب وصلب نفسه على الأرض  او الأله الله الذي يخلق البشر لكي يستمتع بتعذيبهم وحرقهم وسحلهم يوما ما لأنهم فقط خالفوا بعض تعاليمه او تجاهلوا الركوع والسجود له 5 مرات يومياً  , نحن نؤمن بالكون ذاته بأنه يحمل في مكنونه  قانونه الخاص ونظام خلق نفسه وليس بالصدفة كما تعتقدون , ولا نحتاج أصلاً الى قوة غيبية مفارقة للكون ومصدرها العصر البرونزي لكي نسند اليها خلق هذا الكون , واذا كان لكل مخلوق خالق فمن خلق خالقكم !؟ , ويكفي أن تنظروا الى هذه الطبيعة الخلابة التي جاءت عن طريق التطور بالإنتقاء الطبيعي وليس الصدفة وهذا الكون الرائع والفسيح الذي جاء نتيجة الإنفجار العظيم لتدركوا عظمته من أصغر وحدة فيه الذرة الى أكبرها المجرات والثقوب السوداء دون الحاجة الى تخيل قوة خفية جنية تقف خلفه , ولو كنا قد إستمرينا نؤمن بالماورائيات والغيبيات والضبابيات التي تؤمنون بها وأهملنا المنهجية والعقلية النقدية لكنا ما زلنا الى يومنا هذا نفترش الأرض ونلتحف السماء ونرعى قطيع الأبل والأغنام ونحكم بأسم الألهة المتعددة او الأله الواحد سواء كان يهوا او يسوع او الله .. وأتمنى أن تفهموا الإلحاد على حقيقته لكي تدركوا المبادئ الرائعة التي تربينا عليها ودلنا عليها (الكون) وينادي بها منهجنا (الوجودي) مقارنة بغيره والصالحة لكل زمان ومكان , ونحن على ثقة بأنكم ستفهمون معنى الإلحاد الراقي بعيداً عن تشويهات أعداء الملاحدة من الهندوسيين والبوذيين واليهود والمسيحيين والمسلمين..
 
بعد برهة من الوقت إحتدم النقاش و بدأ الصراخ يخيم على معظم الحوار وكانت أكثر جملة مترددة على أكثر من لسان "أنتم تفهمون معتقدنا بشكل خاطئ"  و "أنتم تفهمون توجهنا بناء على ما تم إملائكم عليه وليس على ما هو عليه"  و "يجب أن تحترموا معتقداتنا"  و " هذا خط أحمر" ..
 
 ثم سمعنا أحدهم يقول: "هل تسمحون لي بمداخلة بسيطة" , فرددنا عليه ومن أنت ؟ , فقال إسمي "حيياد" وكنت جالس أستمع الى حواركم في الطاولة التي بجانبكم , فقلنا له تفضل ولكن بإختصار , فقال : لا أعتقد أن هناك في العالم كله من يحترم مقدسات او معتقدات الآخر , فقلنا له كيف !؟ , فقال : سأعطيكم أمثلة قابلة للتعميم , مثلاً الهندوسي راجستان قد يعتبر النقد مع السخرية المبطنة لألهه البقرة تعدي على مقدساته ومستعد للموت في سبيل الدفاع عنه ولكنه لا يرى نقده المبطن بالسخرية بأن بوذا كاذب تعدي على مقدسات البوذيين , وكذلك اليهودي بنيامين يرى أن النقد مع السخرية المبطنة بأن ربه يهوا دموي وسادي  ومعتقده عنصري تعدي على مقدساته ومستعد للموت في سبيل الدفاع عنه ولكنه لا يرى التكذيب والسخرية من الأله البقرة تعدي على مقدسات الهندوسيين , وكذلك المسلم أسامة يرى بأن النقد المبطن مع السخرية على معتقده بأن ربه الله ديكتاتوري ورسوله محارب إرهابي تعدي على مقدساته ومستعد للموت في سبيل الدفاع عنه ولكنه لا يرى سخريته الدائمه بأن إنجيل المسيحيين الذي بين أيديهم محرف ويسوع كاذب وليس ابن الرب تعدي على مقدسات المسيحيين , وهلم جرا ..
 
 ثم تمت مقاطعته من الجميع وبدأ الصراخ يعلو أكثر فأكثر  وجل ما كنا نسمعه متركز في جملة واحدة تخرج من أفواهنا جميعا بالفاظ مختلفة متوحدة المعنى : "ولكن معتقدنا هو الحق والأخر باطل" , ثم بدأ الكلام الجارح يتناثر هنا وهناك..
 
وبعد ذلك اُضطر البروفسور ماهبيا للتدخل بعد أن خرج الحوار عن مساره الصحيح ,  ووجه للجميع كلمة أخيرة لكي يحسم الصراع ويعلن المنتصر , حيث قال : أحبائي لقد استمعت واستمتعت بحواركم الرائع وقد سجلته عندي وسأعطي كل واحد منكم نسخة  منه وسيقوم كل واحد منكم بنشره على الملأ على لسانه وبطريقته التي يراها مناسبة ومنصفة , وكل ما أتمناه منكم أن تعودوا الى بيوتكم وجامعاتكم وحياتكم وتحاولوا بعدها سماع  الحوار من جديد بتمعن وتعمق , وحاولوا أن تربطوا بين الحجج المقدمة دون أن تقوموا كعادتكم بتجزئة الحوار الى أجزاء وتقييمه بناء على العواطف وما توارثتموه ,  ولكن خذوا النسق النصي على شكل قالب واحد وأعملوا على تحليلة ونقده ..
 
 ثم توقف البروفسور ماهبيا برهة من الزمن وكأن العالم من حوله قد توقف , ثم قال : لكني مضطر كما وعدتكم أن أعطيكم حكمي وأن تعرفوا المنتصر وتدركوا الحقيقة والتي هي بإختصار: .......
 
وفي هذه اللحظة وقبل أن يكمل البروفسور ماهبيا الكلمة  التي كنا جميعا ننتظرها بشغف حيث كان كل واحد منا يؤمن يقيناً بأن إسمه ومعتقده سيكون المنتصر لقوة حجته وموضوعية طرحه ,  وأنا في أشد إنتباهي لكي يتم إعلاني منتصراً ولكي يعرف الآخرين الحقيقة ولثقتنا الشديدة في كلام البروفسور ماهبيا لحياديته  وإنصافه في تقييم الأمور كما عرفناه دائماً ,  أحسست أن هنالك جسد آخر غيرنا يقترب مني , واذا بي أحس بيد تقبض على يدي اليمنى بقوة , وسمعت بعدها أحدهم يصرخ : أصحى .. أصحى .. الصلاة خير من النوم..    
 
ثم نهضت كالأسد المنقض على فريسته وسألت صديقي بإستغراب وألم : لماذا أيقظتني يا "عبد المنتقم" فهل تعرف الحقيقة !؟ , رد مستغرباً : أية حقيقة !؟ , فقلت له : كان من المفترض أن لا توقظني الا ومعك الحقيقة لكي تثبت لي أن حواري معك الأن حقيقة وليس حلم , رد بإستهزاء وثقة كبيرين : إن كنت تقصد تلك الحقيقة فأنا أعرفها يقيناً منذ ولادتي ولا داعي لكي أبحث عنها , فقلت له : لو كنت قد نشأت وترعرعت في مكان وزمان راجستان او كيترا او بنيامين او جورج او ثورمان لـكان لك حقيقة أخرى , فقال لي : لا أعرف أحد من الذي ذكرت ولم يسبق لي أن قرأت لأحدهم ولا أريد ذلك لأنهم يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين  , فقلت له : نعم  وبلا شك لم ولن تعرفهم طالما وأنت متيقن وواثق جداً من كلامك , وعدت الى فراشي مهمهما : يبدو أن النائمين الحالمين أقرب الى الحقيقة من المستيقظين الوارثين الحافظين..
 
قررت بعدها أن أعود للنوم لكي أستيقظ وأصحوا خلال أحلامي بحثاً عن ماهبيا والحقيقة , وبعد أن تثاقلت عيناي بأحزاني سمعت صوتاً لم يمر عبر أذني ولكن أحسست بثقله على جسدي بأكمله وأستقر في قلبي وعقلي معاً , هامساً : " الحقيقة ليست الموروث, الحقيقة ليست الموروث" , ثم أحسست بعدها بريشة تعبث بصدري وكأنها ترسم او تكتب  شيئاً ثم صالت وجالت عليه دون أن أقوى على الحراك  ثم وجدت بعدها لوحة حديقة جميلة مرسومة على صدري ومكتوب تحتها " الوردة الواحدة لا تصنع ربيعاً "...التوقيع ماهبيا.
 
facebook account: Osamah Uranus

4 comments: